منذ فترة قصيرة انتشر على موقع “اليوتيوب” حلقات تاريخية عن كتاب “العظماء المائة” وقد لاقت قبولاً طيباً لجميل عرضها، وبساطة أسلوبها، ونصح بالاستماع إليها الكثير – لا سيما النشء – ومضت الحلقات تعرض صفحات مشرّفة من تاريخ المسلمين في الماضي..
ثم جاءت الحلقة الثالثة عشر تحت عنوان: “كاتم سر الرسول – صلى الله عليه وسلم – والجاسوس الروسي” لتنحرف بشدة عن السير التاريخي الذي كان هو موضوع الحلقات والكتاب، وأقحم فيها – بصورة غير مبررة – أحداث الواقع الجهادي المعاصر، فتحدث عن تنظيم القاعدة، والدولة الإسلامية.. في صورة من الإخراج توحي للمشاهد أنه وقع على كشف من أخطر الاكتشافات، من خلال التحليل العلمي ! وإن هي إلا أكاذيب وافتراءات لا ينهض بها دليل..

ولكم أتمنى عدم التعليق على مثل هذا العبث الذي يخرج – هو وغيره – بين الحين والآخر، ولكن وللأسف الشديد ينتشر انتشار النار في الهشيم، فاضطر – على غير رغبة – في التعليق والرد.

* * *

جاء بالحلقة مغالطات كثيرة ويبدو لي أن صاحبها لا يعرف شيء عن تاريخ الجماعات المجاهدة، أو أنه يعرف وينكر.

وركزت الحلقة على مسألة قتل النساء والأطفال والتترس وغيرها.. كأن المجاهدين تركوا ديارهم وأموالهم لقتل النساء والأطفال، وهذا افتراء على المجاهدين.. ومعلوم أن أهل الجهاد لا يقصدون أبداً قتل النساء والأطفال والشيوخ، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – حرّم قتلهم – إلا من حارب – وأوحى مُعد الحلقة للمشاهد أن أهل الجهاد هم الجناة البغاة، وغيرهم هم أهل البراءة والطهر.

وأما مسألة المعاملة بالمثل وغيرها مما كتب فيه الفقهاء.. وما هو محل اتفاق، وما هو محل خلاف معتبر… إلخ إنما يناقش بأدلته من مجموع كتب الفقه، لا أن يجتزأ كلمة من هنا أو من هناك ليبرر بها موقفه، فهذا فقه الجهاد والحرب يناقش بأدلته بين العلماء، وليس بهذه الطريقة التي يظهر في التدليس، ونسي مُعد الحلقة أن يتحدث عن الجرائم التي وقعت في حق المسلمين، فلقد قُتل في حصار العراق أكثر من مليون طفل عراقي، غير تشريد خمسة ملايين، غير الأجنة المشوهة جراء الأسلحة المحرمة دولياً، غير قتل أمريكا ما يقرب من عشرة ملايين مسلم، كل ذلك وغيره لم يُذكر في الحلقة، أولم يكن أولى به وضع الصورة كاملة ويُعرفنا من المعتدي، ومن الذي قهر وأذل وقاتل الأمة المسلمة ومازال ؟!

ثم انتقل للحديث عن الشيخ الظواهري، وأنه هو الذي انحرف بفكر القاعدة، والذي حدث – كما يقولون – أن استراتيجية تنظيم الجهاد كانت العدو القريب على عكس القاعدة، ولما دخل تنظيم الجهاد في القاعدة – بعد طرد الجميع من السودان – تحولت الاستراتيجية للعدو البعيد.. أي فيما يبدو أن فكر القاعدة هو الذي أثر على فكر تنظيم الجهاد المصري وليس العكس.

ثم جاءت الطامة باتهامه للشيخ الظواهري بالعمالة – ومن ثم الكفر – والدليل: “قول جاسوس روسي”!! يَدعي أنه أسلم، ولم يقل لنا قصة إسلامه.. فروسي من أهل المادية الإلحادية، وجاسوس عمل طويلاً في جهازها الاستخباراتي لا بد وأن يحدث له زلزلاً عظيماً حتى يترك وسخ المادية الإلحادية، ونجس العمل الاستخباراتي حتى يتحول إلى الإسلام، ولكن لم يحدثنا عن قصة إسلام الجاسوس !!

وإنني – قياساً على هذا العبث – أستطيع أن أتهم من أشاء بتهمة العمالة للاستخبارات بناء على قول أي جاسوس يحلو لي! أهذا هو التحقيق العلمي، واتباع اليقين، وتمحيص الدليل؟ أهذا ما نربي عليه النشء؟! بئس القول والفعل !

ومن العجيب أن صاحب الحلقات يشيد بالعظماء أمثال صلاح الدين وغيره، ولا يدري كيف كان هؤلاء يعاملون عدوهم، أو لا يدري ماذا فعل صلاح الدين بالدولة الفاطمية بمصر ؟ للأسف إن كثيراً ممن يقدّمون التاريخ للمسلمين يرسمون صورة مزيفة مخملية وردية.. ويعجزون عن رسم الصورة الواقعية بكل أركانها.. فترتسم في عقول المسلمين أوهام عن حقيقة النصر وكيفية المواجهة.. فينهزمون في كل معركة، طالما كان تصوراتهم بهذه السذاجة.

ومن العجيب أيضاً أن صاحب الحلقات يشيد بـ “عاصفة الحزم” – وقد سبق الإشارة لهذا الموضوع في مقال “الصراع الإسلامي الفارسي” – والإشادة بها دليل على سقوط الوعي الشرعي والسياسي، ويكشف – عند حسن الظن – عن البلادة والعته الفكري والسياسي، ويشيد بطاغوت يدعم ويقتل أطفال المسلمين ونساءهم في غير مكان.

ويقول إن الثوار حرروا ثلث سوريا حتى جاءت القاعدة وأخواتها وأفسدوها.. عن أي ثوار يتحدث ؟ وجبهة النصرة – حين أرسلتها الدولة – كانت من أول من دافع عن أهل سوريا، ولما استبان خطرها، أخروجوا لها ضباع الشام ليُفسدوا الفكر والجهاد معاً، ويعطلوا أي ثمرة للجهاد.

* * *

ويبدو لي أن مُعد الحلقات متلوث بـ “فيروس الفكر الإخواني” وليس شرطاً في الإصابة به الانضمام التنظيمي للإخوان، وما يطفح فكر الإخوان المعاصر في مكان إلا وأفسده، وأصابه بالعطب، والذلة، وعطل طاقات الأمة، وأفسد تصوراتها وفكرها وموازينها، وأقعدها عن التحرر والتمكن من القوة، وما لوثة “الاتهام المخابراتي” إلا عنصر أصيل في هذا “الفيروس” وإن هذا الفيروس أوشك على الموت، وأصبح أقل وأحقر من الحديث عنه، فلقد انتهى أمرهم، ولكن في انتظار أن تأكل دابة الأرض المنسأة التي تتكأ عليها تلك الجثة العتيقة..

وهم في انتظار “قبلة الحياة” من السيدة أمريكا، ليكونوا “صحوات” تقاتل للدفاع عن “القومية العلمانية” لصالح “الملك الجبري والطواغيت والصليب”.. ونسأل الله أن لا يُمحنوا تلك القبلة حقناً لدماء المسلمين، وحماية لشبابهم الأرعن الجهول.

ولكن هذا الفيروس يحاول أن يعدل ويطور من نفسه.. ليتخذ صورة أشد خبثاً ومقاومة وعناداً، فيخرج من مسألة “السلمية الديمقراطية والإيمان بالطواغيت ودين الإرجاء والبرجماتية والكذب” إلى صورة أكثر تطوراً وهي “المقاومة، والخطاب الأرقى والأعنف، والأكثر عمقاً، والأقل برجماتية، والأجود في لي أعناق النصوص، وإيجاد المهارب الشرعية.. مع نقد الفكر الإخواني وفي نفس الوقت الدفاع عنهم وعن مواقفهم !” تم تكون – في النهاية – صورة المقاومة في “الإطار الذي يسمح به الطاغوت” إن لم يكن يدعمه.. صورة من المقاومة المتطورة والأشد عنفاً – من الناحية اللفظية والحركية – من الإخوان.. وهي صورة خبيثة تخدع ملايين من المسلمين عندما يطربون للحن القول من هذا الخطاب، ويحسبونه خطوة للأمام أفضل من فكر الإخوان..

والرد على هذا الفكر من أعقد صور التحليل، لأن الحق فيه كثير، لكنه يُفضي في النهاية إلى حماية الطواغيت وبقاء الدولة “القومية العلمانية” ويتأرجح بين فكر الإخوان وفكر الجهاد؛ فيُضل خلق كثير عن سبيل الله !

إن الصمود أمام هذه الحرب الفكرية والعقيدية تتطلب ولا شك إخلاصاً وتجرداً لله – جل جلاله – فالإخلاص طريق نجاة، وطهارة القلوب وابتغاءها وجه الله والدار الآخرة.. هي العاصم – بإذن الله – من فتن كقطع الليل المظلم.. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

اترك رد